الشيخ أحمد فريد المزيدي
285
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
الرمز إليه والإشارة دون الإفصاح والكناية دون الإيضاح ، ثم وثب وصفّق بيديه ، وأنشد يقول : ربّ ورقاء هتوف في الضحى * ذات شجو صرخت في فنني فبكائي ربما أرّقها * وبكاءها ربّما أرّقني ولقد تشكو فما أفهمها * ولقد أشكو فما تفهمني غير أنّى بالجوى أعرفها * وهي أيضا بالجوى تعرفني فقام جميع من حضر لقيامه ساعة من الليل « 1 » . قال الجنيد : ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها . قيل له : وما هي ؟ قال : مررت بدرب القراطيس فوجدت جارية تغني من دار ، فأنصتّ لها ، فسمعتها تقول : إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى * تقولين لولا الهجر لم يطب الحبّ وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى * تقولي بنيران الهوى شرف القلب وإن قلت ما أذنبت ؟ قلت مجيبة * حياتك ذنب لا يقاس به ذنب فصعقت وصحت ، فبينا أنا كذلك إذا بصاحب الدار قد خرج ، فقال : ما هذا يا سيدي ؟ فقلت له : مما سمعت . فقال : أشهدك أنها هبة منّي لك . فقلت : قد قبلتها ، وهي حرة لوجه اللّه تعالى ، ثم زوجتها لبعض أصحابنا بالرباط ، فولدت له ولدا نبيلا ، ونشأ أحسن نشوء ، وحجّ على قدميه ثلاثين حجة على الواحدة « 2 » . سئل الجنيد : ما بال أصحابك إذا سمعوا القرآن لا يتواجدون ولا يتحركون ، بخلاف ما إذا سمعوا الرباعيات ؟ فقال : لأن القرآن كله أحكام ومواعظ ، كلّفوا بالعمل بها ، ومن كلّف بشيء لا يطرب به ، ولا كذلك الرباعيات ؛ فإنها كلام جنسهم ، ومما عملته أيديهم ، بخلاف القرآن ؛ فإنه حقّ صدر عن حقّ ، فلا مجانسة بينها وبينه « 3 » .
--> ( 1 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 656 ) . ( 2 ) انظر : روضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 110 ) بتحقيقنا ، والبداية والنهاية لابن كثير ( 11 / 115 ) ، والوافي بالوفيات ( ص 1556 ) ، وشذرات الذهب لابن العماد ( 2 / 229 ) . ( 3 ) انظر : الكواكب للمناوي ( 1 / 574 ) .